الأرق والسهاد عند الشعراءالقيم الإنسانية المشتركة أساساً لتعايش الشعوب وحوار الثقافاتوطنــي والفجــر البــاسـمالأديب الدكتور/ ناصر الدين الأسد:اللغة أداة للتفكير ولا خوف على الشعر الأصيلمـنــاجــاةأنا والحبوبة والغولســـريــرة الـنـــورأحـبُّـُـكَ أكـثـر مـن وطـني (من أوراق سائحة غربية)الفارس وقوت المساء وزاد الشتاءعطـرهـاهل أصبحتُ رجُلاً ياأبي؟الملك عبد الله بن عبد العزيز جعل الحوار أكثر تداولا وقبولا لدى أبناء المملكةتمشي على دربك رجال مشاكيلالـقـلم في الـتراث الـعـربي والإسـلاميرياضة الصيد بالصقور عند العرب الصقارة تراث عربي أصيلإســرائـيـل والـســلاموقــود مـن الـبـكـتريـاأفكار مضغوطةالبحث عن سلامهل ثمة إسلام فوبيا أو نظرية مؤامرة .. ؟!!خير الكلاممـن دروس الــحـيـاةهمزة أول الكلمةمطابقة الرسم للمنطوقأشـعـــــار الــــمتــــنــبــي الـــتــي وافـــــقــــت قــــول الـــحـــكــــمـــاءفي الاخلاق والـحكــمهدية لـجـنـودنا الـبـواسـلمتى نُصَوّب النطق والرسممدرستي في ثـوبــــها الجديدمـستـقـبل العلاقـات الأمنيـة بيـن الـولايات الـمتحدة والصيـن في هذا العدد
329 رقم العدد :
01/08/2010 تاريخ العدد :
ملف العدد
البحث في المجلة
بريد المجلة
ملف العدد
رؤيـة المـلك عــبــدالـلــــه بـن عــبــدالعـزيـز لــلـحــوار والـســلام وقــبــول الآخــر
كثيرون هم القادة والسياسيون في العالم، ولكن القليل منهم من يترك بصمة على صفحات التاريخ. يتعلق الأمر هنا بالبنية الذهنية والنفسية للقائد. يتعلق بما يعتبره مهما، أو مفيدا، أو ضروريا. ومع الزمن، تتبلور شخصية القائد حسب تصرفاته.
هذه النزعة لفعل ما يعتبر مهما أو مفيدا أو ضروريا، ليست نزعة تنبع من المحاكمة العقلية، بل هي تنبع من الفطرة، ثم تتلاقى الفطرة مع المحاكمة العقلية، وينتج ما يمكن أن نسميه قرارا تاريخيا.
وفي مسيرة الملك عبد الله بن عبد العزيز ما يشير إلى هذا كله بوضوح كامل، فهو نشأ كأمير، وكان يمكن له أن يمضي في حياته كأمير، يحب الجميع ويخدمهم، ويحبه الجميع ويخدمونه. وحين تنغلق صفحات الحياة في النهاية، تنغلق على إنسان محبوب، وعلى سمعة طيبة، وكفى. ولكن هذا الأمير كان منذ بداية مهماته السياسية في الحكم، أميرا متطلعا إلى شيء ما. لم يكن يقبل أن يكون أميرا وكفى، كان يريد فعل شيء متميز. وحين تعبر هذه النزعة عن نفسها، وحين تتوالى الأفعال المتميزة، يصبح الأمير مختلفا عن غيره. إنه لا يختار ذلك، بل هو لا يفكر بذلك.ولكن الآخرين يبدؤون بالإشارة إليه على أنه أمير مختلف.
لقد أصبح الأمير عبد الله رئيسا للحرس الوطني، وكان الحرس الوطني في بدايته مؤسسة عادية، ولم تكن هذه المؤسسة العادية لتشكل إرضاء للأمير، ومن خلال عدم الرضى هذا وضع تصورا جديدا لمهمات الحرس الوطني يقوم على أساس الحوار الاجتماعي. الحوار بين البدو والحضر، وبهذا ولدت أمام الأمير مهمة حضارية كبرى، ستصبح مع الزمن ركنا أساسيا من أركان بناء المملكة العربية السعودية. وكثيرون في الوطن العربي يظنون أن الحرس الوطني هو مجرد قوة مسلحة، ولكن يفوتهم هنا الدور الحضاري لهذه المؤسسة. فهي مؤسسة ندبت نفسها للعمل في أوساط القبائل، واهتمت أكثر ما اهتمت في نقل القبائل من حياة البداوة إلى حياة الحضر، من حياة التنقل إلى حياة الاستقرار، من الترحال إلى الزراعة، ومن الإبل والخيل إلى استعمال أعقد آلات التكنولوجيا، ومن الثقافة الشفهية إلى ثقافة العلم بأدق أوصافه. وكل هذا من دون أن تقطع الصلة بين التطور وبين التراث، بل ومن خلال تثبيت قيمة التراث وارتباطه بالحاضر. وكل هذا هو ما أحب أن أطلق عليه (الحوار الاجتماعي).
ندوات الجنادرية

أبرز التصدي لإنجاز مهمة حضارية، حاجة ملحة لبلورة ثقافة الحوار، وبخاصة (الحوار مع الآخر)، وهو الركن الثاني في نهج الحوار الذي بلورته مسيرة الملك عبد الله، والذي شق طريقه من خلال ندوات مهرجان الجنادرية الفكرية.
نشأ في البلاد العربية، وداخل صراع تياراتها السياسية (اليمين واليسار ــ التقدمي والرجعي)، توجه لإدانة الآخر استنادا إلى أحكام مسبقة ومن دون حوار. وتبلور ذلك بشكل خاص في موقف قوى اليسار العربي من المملكة العربية السعودية. ونشأ بالمقابل، داخل السعودية، توجه مماثل، يرفض حتى مبدأ التحاور مع اليسار، بسبب إدانة مسبقة ومطلقة له. ونشأت من قلب هذه المعادلة المتعاكسة، حسب رأيي وحسب تجربتي الشخصية، فكرة ندوات الجنادرية الفكرية، وهي عملت كما شاهدتها في اتجاهين: اتجاه دعوة منتقدي السعودية من المثقفين والسياسيين لزيارة المملكة، والإسهام في ندوات الجنادرية، ليقولوا كل ما يشاؤون، ومن دون حد أو قيد. واتجاه آخر يدعو مثقفي المملكة، وشبابها المثقف بالأخص، إلى حضور تلك الندوات، والاستماع إلى المنتقدين العرب للمملكة، والرد على ما يسمعونه من آراء. ولكن هذا العرض المبسط للفكرة، لم يكن مبسطا أبدا على صعيد التطبيق، حيث شهدت ندوات الجنادرية حالات توتر ملحوظة، كان لا بد من الاعتماد على الصبر وعلى عامل الزمن لمعالجتها. وقد حدث ذلك فعليا بالاتجاهين المتعاكسين إياهما.
على صعيد المثقفين العرب، لعبت دعواتهم لزيارة المملكة، والتجول بين أرجائها لمعاينة ما يجري داخلها من تطوير وبناء، واللقاءات مع رجالات المملكة ومثقفيها، في لقاءات غلبت عليها أجواء الصداقة، دورا هاما في إحداث تغيير في نظرة المثقفين العرب لواقع المملكة والحكم عليه. لا يعني ذلك أن المثقفين العرب الذين جاؤوا أصبحوا مؤيدين للمملكة، ولكنهم أصبحوا يمتلكون درجة من الواقعية في نقد المملكة وسياساتها، وأدى ذلك في بعض الأحيان إلى الانتقال من موقف الناقد إلى موقف المؤيد. وكل ذلك بسبب اللقاء والاطلاع والحوار لا غير.
أما على صعيد الشباب السعودي المثقف، فقد سارت التجربة في الاتجاه نفسه، ولكن بصورة متوترة ومعقدة. أذكر أن ندوات الجنادرية الأولى كانت تنعقد في قرية الجنادرية نفسها، حيث قاعة صغيرة لا تتسع لأكثر من مائة شخص، يتم اختيار معظمهم من أجل دعوتهم حتى لا يحدث داخل الندوة مالا تحمد عقباه. ومع الوقت تم نقل ندوات الجنادرية إلى العاصمة الرياض وداخل قاعة تتسع للمئات، وأصبحت جلسات الحوار مفتوحة للجميع. ولكن قطاعا من المثقفين السعوديين كان يرفض هذه الحوارات من حيث المبدأ، ويرفض الدخول إلى القاعة للمشاركة في حواراتها. وكان بعضهم يقف خارج القاعة منتظرا خروج الضيوف العرب، ليوزع عليهم كتابات تتضمن مواقف معادية لهم، وبعضها يحمل اتهامات قاسية. وشيئا فشيئا، بدأ هؤلاء الشباب يتجمعون خارج القاعة ومن دون أن يدخلوا إليها. ولجأت إدارة المهرجان إلى وضع شاشات تلفزيون في قاعة الاستراحة، ليشاهد من لا يريد الدخول ماذا يجري في الداخل. وفي مرحلة ثالثة لم يعد هناك مبرر لكل هذه الإجراءات، إذ لم يجد الشباب السعودي غضاضة من الدخول إلى القاعة.
حدث داخل القاعة ما كان لا بد أن يحدث. وقف الشباب السعودي، وعبر عن آرائه بحماس وغضب واتهام، واستمع إلى ردود من المثقفين العرب لم تكن تخلو من الحماس والغضب والاتهام أيضا، ولكن الدرس العميق الذي تم استخلاصه، أنه يمكن أن تقول رأيك بكل صراحة وبكل حرية، ثم يمكن أن تستمع إلى الردود بكل صراحة وبكل حرية، ومن دون أن يحدث أي أمر مسيء، ولكن ولد من رحم تلك المواجهات الساخنة، الإقرار بمبدأ الحوار، وتعويد المثقف السعودي الشاب على مبدأ الحوار حتى مع الخصوم، وليس مجرد نقدهم من بعيد. وأعتقد أن تعويد الشباب السعودي على مبدأ الحوار مع الخصوم، كان هدفا أساسيا من أهداف القائمين على مهرجان الجنادرية، وعلى ندوتها الفكرية بالذات، وقد توصلوا إليه بعد شيء من الصبر. وفي النهاية تلاشى هذا الجو كله، وبدأت ندوات الجنادرية تصبح علامة ثقافية بارزة للسعوديين وللعرب، ومهما كان نوع الضيف، فإن الجميع بدأ يتوافد إلى قاعة الندوات، ليشارك وليستمع وليحتج وليحاور. وإذا كان الحوار بين الشباب السعودي والمثقفين العرب قد بدأ عدائيا واتهاميا، فقد بدأ يأخذ مع الزمن منحى آخر، فهناك ما يمكن قبوله، وهناك ما لا بد من رفضه. وهذا هو جوهر مبدأ الحوار حين يسود، وقد نجحت الجنادرية ، تحت رعاية الملك عبد الله في الوصول إليه.
أود هنا إيراد مثل على أجواء الندوات المتوترة في بداياتها الأولى. ففي ندوة (مختصرة) عقدت في قرية الجنادرية، وكان المتحدث الرئيسي فيها هو الدكتور محمد عابد الجابري،ولاحظنا يومها كثافة في الحضور أكثر من المعتاد، ولاحظنا أيضا أن الوجوه الشابة تغلب على الحضور، وكلهم جاؤوا (بناء على تحضير مسبق بينهم كما استنتجنا) ليردوا على مقولات الجابري وعلى منهجه البحثي بالتحديد (المنهج البنيوي). وللتوضيح فإن ما كنا نسمعه من الشباب السعودي، وما كنانقرأه في كتاباتهم الموزعة علينا باليد، كان يتضمن نقدا عنيفا لما يسمى (المنهج البنيوي في البحث). وكانت صيغة هذا النقد كما يلي:
ــ البنيوية تسعى إلى تفتيت النص.
ــ أساس اللغة العربية هو القرآن الكريم.
ــ تفتيت النص العربي حسب هذا المنهج يعني تفتيت النص القرآني.
ــ ولذلك فإن أتباع هذا المنهج البنيوي كفرة.
وكان الدكتور الجابري يعرف هذه الآراء، وجرى تنبيهه إلى أنها ستطرح عليه في الندوة. ومع ذلك فقد بدأ حديثه كما يلي:
ــ أنا أكتب عن الإسلام مستعملا المنهج البنيوي.
ــ وسأقوم أمامكم بشرح تطبيقي للمنهج البنيوي.
ــ وأشار إلى آية كريمة معلقة في القاعة وقال: سأقوم بشرح وتحليل هذه الآية بنيويا.
ــ الفكرة الأولى في الآية تقول كذا، وهي تسبق الفكرة الثانية التي تقول كذا، وبعد جمع الفكرتين تصل الآية إلى النتيجة التي تقول كذا.
ــ وسأل الجابري الحضور: هل في هذا التحليل البنيوي لآية كريمة ما يسيء إلى القرآن، أو ما يسيء إلى الإسلام؟
أحدث هذا الشرح هزة في القاعة، ولكن هذه الهزة لم تمنع شبابا سعوديين من طلب الكلام، ومن توجيه أقسى الاتهامات للدكتور الجابري، ومن دون التفات للشرح الذي قدمه (أسئلة محضرة سلفا).
وبعد الندوة جاء نفر من (الرجال) للسلام على الجابري، ويبدو أنهم أساتذة أولئك الشباب، الذين لاحظوا أن شرح الجابري يلغي مبرر تلك الأسئلة الاتهامية التي وجهت إليه، فشكروه، وأثنوا على محاضرته، وطلبوا منه أن لا يتأثر بما سمعه من أسئلة الشباب.
وهكذا فإن شيئا ما جديدا قد حصل، إذ لم تعد الأفكار محشورة بين كلمتي المؤمن والكافر، ولا بين وجهتي المدمر للإسلام والمدافع عن الإسلام، لقد نشأ حوار وتفهم ووضع لمسائل الخلاف في حجمها الحقيقي. وهو إنجاز من إنجازات فكرة الحوار، والسعي لتعويد المجتمع على الحوار. إنجاز من إنجازات الجنادرية التي أنشأها ورعاها جلالة الملك عبد الله بن عبدالعزيز ــ حفظه الله ــ .
لقاءات الحوار الوطني

ظهرت الرغبة في تكريس منطق الحوار ظهورا طبيعيا، وكانت بمثابة تفاعل منطقي بين الحاكم والمجتمع، ولكن منطق الحوار هذا ما لبث أن وجد نفسه في أتون حرب كبرى.، فهل يصمد الحوار في أتون الحرب، أم أن السلاح والعنف والدم سيطغى على الصورة كلها؟ إن الجواب يحدد ما إذا كان الإيمان بمنطق الحوار إيمانا أصيلا أم أنه مجرد وسيلة في مرحلة ما؟
في مطلع القرن الواحد والعشرين حدثت هزة أحداث سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة الأميركية. سقط برجان هائلان وقتل مئات الأشخاص.
وفي مطلع القرن الواحد والعشرين، حدثت هزة نجاح جورج بوش الإبن برئاسة الولايات المتحدة الأميركية، وجاء إلى السلطة من يسمونهم المحافظون الأميركيون الجدد.
كانت أحداث سبتمبر 2001 كارثة على أميركا، وكان قدوم جورج بوش (ومن خلفه) إلى سدة الحكم كارثة على العالم.
وقد سمي هذا الذي حدث في الولايات المتحدة الأميركية آنذاك باسم «المحافظون الجدد»، وكان المحافظون الجدد هؤلاء أشرار العالم قولا وفعلا، قالوا: من ليس معنا فهو ضدنا. وقالوا إن الشر يأتي إلى العالم من الإسلام. وهنا أعلنوا الحرب على الإسلام. أزاحوا الدبلوماسية جانبا ورفعوا عاليا منطق الحروب. استعملوا الديمقراطية، وحقوق المرأة، وحقوق الإنسان، سلاحا، مجرد سلاح ، ضد الدول من أجل تطويعها. وحظيت منطقتنا العربية باهتمام خاص، ورفع من أجل السيطرة عليها شعار إنشاء «الشرق الأوسط الجديد» و «الشرق الأوسط الكبير»، وبدأت مجزرة سياسية على امتداد العالم، وعلى امتداد منطقتنا.
واجهت السعودية في هذه المعمعة حربين: حرب الإرهاب داخل ديارها، وحرب الهيمنة والسيطرة والترويض القادم من خارج ديارها.
وتواجه في هذه المعمعة رجلان: جورج بوش الأميركي، وعبد الله بن عبد العزيز السعودي. الأول قوي وقادر على مستوى العالم، ولديه قدرة هائلة على التدمير، والثاني لدية شيئا آخر يستعصي على فهم جورج بوش، لديه الإسلام وحضارة الإسلام.
طلب جورج بوش من السعودية أن تنخرط في إطار الهيمنة الأميركية، وأن تندمج بالشرق الأوسط الجديد. ولكن الملك عبد الله طلب شيئا آخر، طلب الحوار الوطني السعودي الداخلي، ليواجه به تلك النيران التي أشعلها المحافظون الجدد.
كان الإرهاب يضرب ويدمر ويقتل داخل السعودية. وكان التهديد الإمبراطوري يبشر بضرب وتدمير وقتل يأتي من خارج السعودية. وكان قرار الملك عبد الله أن يواجه كل هذا بالحوار. وهكذا انعقد المؤتمر الوطني الأول يوم 15/6/2003م، وكان موضوعه «الوحدة الوطنية والعلاقات والمواثيق الدولية».
لقد عبرت توصيات هذا المؤتمر، عن تمازج شديد الوضوح، بين الوضع الدولي والوضع المحلي الداخلي، ويكفي أن نسجل بعض عناوين الحوار حتى تتضح أهميته:
أولا: تأكيد مبدأ الحوار، وتأكيد ضرورة مواصلته، وتأكيد ضرورة توسيع المشاركة فيه، وتحويله إلى مؤسسة ترعى الحوار، بإنشاء مركز للحوار الوطني.
ثانيا: تأكيد مبدأ الوسطية والاعتدال في فهم الإسلام وتشريعاته. والاعتراف بالاختلاف والتنوع الفكري وتعدد المذاهب.
ثالثا: الاعتراف، ردا على العمليات الإرهابية الداخلية، بأن الوطن معرض لأخطار وهجمات شرسة تمس الوحدة الوطنية.
رابعا: المحافظة على الوحدة الوطنية، ومن أقوى دعائم الوحدة الوطنية، معالجة هموم الحياة اليومية، والتوازن في توزيع برامج التنمية بين مناطق المملكة، والاهتمام بالمناطق الريفية.
خامسا: تطوير العملية التربوية لتواكب العصر وتعزز الوحدة الوطنية، والاهتمام بالشباب في خطط التنمية وبرامجها، والاهتمام بوضع المرأة وتوسيع دائرة مشاركتها
سادسا: أهمية الحوار وسيلة للتعبير عن الرأي، واعتماده أسلوبا للحياة.
وكانت هناك عناوين أخرى في الحوار ذات مساس بالمشكلات القائمة أبرزها:
أولا: اتباع المصالح القائمة على العدل في تأمين العلاقات الدولية، وطرح المبادرات التي تبين حلول الإسلام للمشكلات العالمية.
ثانيا: التأكيد على أن مقاومة الاحتلال الصهيوني في فلسطين حق مشروع.
ثالثا: توضيح أحكام الجهاد في الإسلام حتى لا يساء فهمه، والتفريق بين الجهاد الحق والإفساد في الأرض.
رابعاً: اعتبار العمليات الإرهابية داخل المملكة «اعتداءات آثمة على المسلمين، من المواطنين والمقيمين، وأنها محاربة لله ورسوله، وإفساد في الأرض، وأن الإسلام بريء من تلك الأفعال الإجرامية.
ونرى في قراءتنا لهذه البنود، أنها تجاوزت معالجة الحدث السياسي المباشر، وسعت إلى وضع ما يشبه خطة شاملة للدولة، من أجل المواجهة والمعالجة. وفي جوهر هذه الخطة الشاملة جملة مبادىء أساسية: الإعتدال، رفض التطرف، إدانة الإرهاب، الاعتراف بتنوع الأفكار والمذاهب، أي بكل ما من شأنه أن يقيم توافقا داخليا يواجه الفكر الإرهابي المضاد. وفي جوهر هذه الخطة أيضاأن المعالجة الأعمق للمشكلات تحتاج إلى عناية دائمة بقضايا أساسية: المرأة والشباب والتنمية، أي بإصلاح المجتمع من الداخل وتطويره باستمرار.
أما إذا ما حاولنا تفسير هذه البنود سياسيا، فإننا نجد داخلها سندا لكل ما تم قوله في الحوارات والمحاججات التي دارت عربيا وعالميا. ففي مواجهة الإرهاب برز السؤال عن كيفية ذلك؟ هل تكون المواجهة عملا أمنيا فقط؟ أم أن للإرهاب أسبابه، وتكمن أسبابه بشكل خاص في سياسات الولايات المتحدة الأميركية الظالمة تجاه المسلمين والعرب؟ صحيح أن بنود الحوار لم تذكر جوابا مباشرا على هذه المسألة، ولكنها حين تطرقت إلى قضية فلسطين، كانت تشير مباشرة إلى أخطاء السياسة الأميركية التي ينتج عنها غضب متواصل يستغله أصحاب الدعوة للإرهاب، وبذلك يكون رفع اليد الصهيونية عن فلسطين، ورفع الظلم عن الشعب الفلسطيني، مدخلا أساسيا في معالجة قضية الإرهاب على المدى الطويل.
لقد رد الملك عبد الله بهذا الحوار الذي وجهه ورعاه، على الدعوات الأميركية بشن الحروب، إلى الدعوة للحوار، وإلى اعتماد «العدل» في معالجة الشؤون الدولية، وإلى الدعوة لطرح المبادرات التي تبين حلول الإسلام للمشكلات العالمية . وهذا ما سيحدث فعليا بعد سنوات).
لقد شنت السعودية حربا أمنية ضد الإرهاب الذي طالها، وضد الإرهاب الذي طال العالم، ولكن الحرب الأعمق كانت حربا فكرية، سعت إلى توضيح الفكر الإسلامي الحقيقي، وإلى تأكيد أهمية العناية بالمجتمع والإنسان، كمدخل بعيد المدى لمنع بروز انحرافات فكرية تؤدي بعد ذلك إلى الإرهاب.
وبهذا برز الاختلاف واضحا بين منهجين، منهج القوة الذي ما لبث أن تلاشى، ومنهج الحوار والاعتدال الذي لا بد أن يواصل طريقه نحو المستقبل.
لقد تكررت لقاءات الحوار الوطني في السعودية حتى اللقاء الخامس في 13/12/2005. وشارك فيها العشرات من المفكرين والباحثين والشباب والنساء، وتنقلت الجلسات بين مدن المملكة، وتطورت بذلك نظرية الحوار، من حاجة داخلية في البداية، إلى استراتيجية لمواجهة الإرهاب والأحداث العالمية في ما بعد. وكان الرجل الدائم في هذا المسعى المديد هو جلالة الملك عبد الله بن عبد العزيز.
الدعوة لحوار الأديان

كان طبيعيا، لهذه النزعة المتأصلة في النفس من أجل الحوار، وبناء المجتمع على قاعدة الحوار، أن تتطور مع الزمن، ومع تطور مكانة المملكة العربية السعوديةعربيا ودوليا، وأن تجد لنفسها مسرى آخر، يخاطب الآفاق كلها. وقد تم الإعلان عن هذا المسرى في 25/3/2008، يوم أعلن الملك عبد الله عن مبادرة لإقامة مؤتمر للحوار بين علماء من معتنقي الأديان السماوية الثلاث، القرآن والإنجيل والتوراة، والتوجه من ثم بالمبادرة الأمم المتحدة. وربط الملك عبد الله بين مبادرته هذه وبين الأزمة التي تعاني منها البشرية في الوقت الحاضر، وهي أزمة اعتبر الملك عبد الله أنها «تخل بموازين العقل والأخلاق والإنسانية، وتستدعي تصدي جميع الأديان لمظاهر التفكك الأسري والإلحاد في العالم، والعمل على صيانة القيم الأخلاقية».
وقد دخل هذا التوجه حيز التنفيذ بعد فترة وجيزة. ففي 16/7/2008 انعقد في إسبانيا (المؤتمر العالمي للحوار بين أتباع الرسالات الإلهية)، وعند انعقاده أضيفت إلى التسمية كلمتا (الحضارات والثقافات)، ليصبح البحث شاملا لأتباع القيم غير السماوية.
وفي 12/11/2008 انتقل المؤتمر، حسب تخطيط الملك عبد الله، من إسبانيا إلى الأمم المتحدة. وشكل هذان المؤتمران حدثا عالميا، على صعيد التسامح، وعلى صعيد مكافحة الإرهاب، وعلى صعيد تكريس مبدأ الحوار. واعترف كثيرون من الزعماء ورؤساء الوفود، أن الفصل الأساسي في هذا التوجه ، سيسجل في التاريخ باسم الملك عبد الله بن عبد العزيز.
في ميدان التطبيق السياسي

لم يكن هذا المنهج الحواري الحضاري، الذي تميزت به حياة ومنجزات الملك عبد الله، مقطوعا عن عالم السياسة التطبيقية، ففي مسيرة الملك عبد الله محطات سياسية بارزة، دعا فيها إلى ضرورة حل المشاكل السياسية بالحوار. وسواء نجحت جهوده أم لا، فإن مسعاه هذا يسجل له. ومن أبرز الأمثلة في هذا السياق:
أولا: اتفاق مكة الفلسطيني . الذي تمت الدعوة إليه بعد اشتبكات دامية بين فتح وحماس في قطاع غزة. وقال الملك عبد الله في دعوته: إن ما يحدث على ثرى فلسطين الطاهرة وصمة عار لطخت تاريخ الكفاح الوطني المشرف لأبناء الشعب الفلسطيني. ودعا الأطراف الفلسطينية إلى وضع حد لهذه المواجهات، والتوجه من أجل لقاء عاجل في مكة. ولبى الفلسطينيون تلك الدعوة الكريمة، وخرجوا نتيجة مداولاتهم باتفاق مكة الذي نص على: تحريم الدم الفلسطيني، وتأكيد مبدأ الشراكة السياسية بين فتح وحماس، وتشكيل حكومة وحدة وطنية. وقد بادرت كل من إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية واللجنة الدولية الرباعية، إلى إعلان معارضتها لهذا الاتفاق، ولكن ذلك لم يؤثر أبدا في موقف السعودية أو في موقف الملك عبد الله. فما كان من الأطراف المعارضة إلا أن سعت لتخريب الاتفاق من داخله، فحدث اشتباكات جديدة أوجدت حالة انقسام بين الطرفين.
ثانيا: مبادرة قمة الكويت. وقد انعقدت هذه القمة في ظل خلافات عربية متعددة، وإذا بالملك عبد الله يبادر القمة بخطاب يقول فيه: «إن خلافاتنا السياسية أدت إلى فرقتنا وشتات أمرنا، وكانت هذه الخلافات وما زالت عونا للعدو الإسرائيلي الغادر ..... أقول هذا ولا استثني أحدا منا. لقد مضى الذي مضى، واليوم أناشدكم ... أن نسمو على خلافاتنا، وأن نهزم ظنون أعدائنا بنا، ونقف موقفا مشرفا واحدا يذكرنا به التاريخ». وقال «اسمحوا لي أن أعلن باسمنا جميعا، أننا تجاوزنا مرحلة الخلاف، وفتحنا باب الأخوة العربية والوحدة لكل العرب دون استثناء أو تحفظ». وقد كان لهذا الموقف الشجاع، والمتعالي على الجراح، أثره المباشر على أعمال قمة الكويت، حيث التقى فورا عدد من الملوك والرؤساء في لقاء تصالح، وكان لقاؤهم مؤشرا لنجاح دعوة الملك عبد الله إلى التلاقي والتحاور والتفاهم.
وهناك أمثلة أخرى عديدة، يمكن ذكرها على صعيد وضع الحوار داخل إطار السياسة العملية، ولكننا نكتفي هنا بهذا القدر من الأمثلة.

لطباعة المقال لإرسال المقال لصديق